الشيخ علي الكوراني العاملي

23

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 )

من لا يكون متخصصا في العربيةً لا يكون فقيهاً ذلك أن العربية لغة الإسلام ، فلا بد للباحث والفقيه من معرفة قواعدها ، وفهم معانيها ، والخبرة بتراكيبها ، ليستطيع القول إن مقصود الله تعالى أو النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو هذا ، فيبني عليه ويفتي به . فالإجتهاد يتوقف على استظهار المعنى من النص ، ولا يمكن الاستظهار إلا بفهم المقصود من النص فهماً يقينياً لا ظنياً . وليس هذا انتقاصاً من الباحث والفقيه غير العربي ، لكن المسألة ليست بالبساطة التي يتصورها بعضهم ، فما لم تصبح اللغة الثانية أماً لك كلغتك ، أو خالةً ، فلا تعتبر نفسك متخصصاً فيها ، لأنك قد تعطي رأياً في لفظ وأبعاد معناه ، ثم يُلفتك بعض أبنائها إلى أنك شطحتَ بعيداً ، وقد يكون شطحك مضحكاً ! لقد عشتُ في إيران نحو عشرين سنة ، واختلطت بالفرس وتكلمت بالفارسية وترجمت منها ، لكني لم أعش بين أهلها محضاً ، ولذلك لا أعدُّ نفسي صاحب خبرة كافية بها ، تخولني أن أجزم دائماً بمداليل نصوصها . إن كثيرين من غير العرب عاشوا في بلاد العرب ، فصارت العربية لغتهم الأم أو أمهم الثانية ، وصاروا مرجعاً في العربية للعرب ، كسيبويه والكسائي والزجاج والمبرد والفارسي ، وأكثر اللغويين والنحويين . أما في عصرنا فقلَّ من علمائهم من عايش العربية بين أهلها ، ومنهم منصفون يرجعون إلى الخبير بها فيسألونه عن معنى هذه العبارة ، وهذه الكلمة عند العرب ، يسألونك مثلاً عن اليوم هل هو من طلوع الشمس أو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ؟ وتترتب عليه أحكام في الصوم ، وعدة الطلاق ، وأحكام السفر ، والعقود الموقتة بالأيام . ويسألون مثلاً عن قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِي . هل المقصود : أقم الصلاة لأجل ذكر الله تعالى ، أو أقم الصلاة التي نِمْتَ عنها أو نسيتها عندما تذكرها . أو أنها تشمل المعنيين ؟ وتترتب عليه أحكام كذلك . لكنَّ المشكلة فيمن يرى أنه أخبرُ بالعربية من أهلها ، فتراه يأخذ بأول معنى يَعِنُّ له ، ويجادلك فيه ، ولايقنع بفهمك لمعنى اللفظ ، ولا باستعمال العرب له ، كأنه هو واضع اللغة ووليها ! لهذا ، كان من الضروري لمن أراد التخصص بالعربية أن يعيش فترة كافية بين أهلها ، وقد رأيتُ أن الراغب لم يستوف هذا الشرط فكثرت أخطاؤه ، فرجوت أن يكون تصحيح مفرداته ، قربةً إلى الله تعالى ، وخدمةً لدينه وكتابه .